أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

300

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَإِلى مَدْيَنَ . اختلف في « مَدْيَنَ » ، فقيل : أعجمي ، فمنعه للعجمة والعلمية ، وهو : مدين ابن خليل الرحمن ، فسميت به القبيلة . وقيل : هو عربي . اسم بلد ، قاله الفراء ، وأنشد : 2258 - رهبان مدين والّذين عهدتهم * يبكون من حذر العذاب قعودا لو يسمعون كما سمعت كلامها * خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا « 1 » فمنعه للعلمية والتأنيث ، ولا بدّ حينئذ من حذف مضاف ، أي : وإلى أهل مدين ، ولذلك أعاد الضمير في قوله : « أَخاهُمْ » على الأهل ، ويجوز أن يراد بالمكان ساكنوه ، فروعي ذلك بالنسبة إلى عود الضمير عليه . وعلى تقدير كونه عربيا ، قالوا : فهو شاذ ، إذ كان من حقه الإعلال ، ك « مباع ، ومقام » ، ولكنهم شذوا فيه كما شذوا في : مريم ، ومكوزة ، وليس بشاذ عند المبرد لعدم جريانه على الفعل ، وهو حق ، وإن كان الجمهور على خلافه . و « شعيب » يجوز أن يكون تصغير « شعب ، أو شعب » ، هكذا قالوا . والأدب ألا يقال ذلك ، بل هذا موضوع على هذه الزنة . وأما أسماء الأنبياء عليهم السّلام فلا يدخل فيها تصغير البتة ، إلّا ما نطق به القرآن على صيغة تشبهه ك « شعيب » عليه السّلام ، وهو عربي ، لا أعجمي . قوله : « وَلا تَبْخَسُوا » قد تقدم معنى هذه اللفظة في قوله : وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً . وهو يتعدى لاثنين ، وهما « النَّاسَ » و « أَشْياءَهُمْ » ، أي : لا تنقصوهم أشياءهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 86 إلى 88 ] وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 86 ) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 87 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ( 88 ) قوله : بِكُلِّ صِراطٍ . يجوز أن تكون الباء على حالها من الإلصاق ، أو المصاحبة ، أو تكون بمعنى « في » . و « تُوعِدُونَ » و « تَصُدُّونَ » و « تبغون » ، هذه الجمل أحوال ، أي : لا تقعدوا موعدين وصادين وباغين . ولم يذكر الموعد به ، النفس كلّ مذهب . ومفعول « تَصُدُّونَ » : « مَنْ آمَنَ » . قال أبو البقاء : « مَنْ آمَنَ » مفعول « تَصُدُّونَ » ، لا مفعول « تُوعِدُونَ » ، إذ لو كان مفعولا للأول لقال : تصدّونهم » ، يعني أنه لو كان كذلك لكانت المسألة من التنازع ، وإذا كانت من التنازع وأعملت الأول أضمرت في الثاني ، فكنت تقول : تصدّونهم ، لكنه ليس في القرآن كذا ، فدل على أن « تُوعِدُونَ » ليس عاملا فيه . وكلامه يحتمل أن تكون المسألة من التنازع ، ويكون ذلك على إعمال الثاني ، وهو مختار البصريين ، وحذف من الأول ، وألا تكون وهو الظاهر . وظاهر كلام الزمخشري أنها من التنازع ،

--> ( 1 ) تقدم .